top of page

حين تصبح الثقافة بيتاً: رحلة مركزسينياس هاب بين مهرجان ديرك والمجتمع

في مدينة تتشكل هويتها من طبقات التاريخ ومخيال المستقبل، تقف جوبا اليوم عند عتبة جديدة من التحولات الثقافية. بين أحيائها الهادئة وضجيجها اليومي، تنبثق مساحات صغيرة تصنع الفرق؛ مساحات تقاوم النسيان وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ووجوده. من بين هذه المساحات، يبرز سينياس هاب كأحد أهم المراكز التي تحوّلت، في زمن قصير، من فكرة إلى روحٍ حيّة تنبض في قلب المدينة. سينياس هاب ليس مركزاً ثقافياً بالمعنى الإداري البارد، بل هو محاولة جريئة لخلق بيت ثقافي يتسع للجميع: للطلاب، وللفنانين، وللكتّاب الشباب، وللمجتمع الذي يبحث عن نافذة يرى منها ما أوسع من يومه العادي. في هذا البيت، يتجاور الحلم مع التجربة، ويتعانق السؤال مع الفن، ويصبح الوعي ممارسة يوميّة لا حدثاً رسمياً. من النسخة الثالثة حتى الخامسة من مهرجان ديرك الثقافي أحد أهم الفعاليات الفنية التي تعكس نبض المجتمع كان حضور سينياس هاب أشبه بخيط من الضوء يتكرر ولا يتشابه. حضور هادئ، لكنه كثيف؛ خجول، لكنه شديد التأثير. وكأن المركز يقول للجميع الثقافة ليست ما نراه، بل ما نتغير بسببه. معرض الكتب كممرات تقود إلى الذات في معرض الكتاب، بدا الركن الخاص بالمركز كأنه ممرٌ يفضي إلى عوالم متعددة. الرفوف البسيطة حملت كتباً لا تشغل مكاناً فقط، بل تحفر أسئلة. القراءة، كما يقدمها المركز، ليست فعلاً فردياً ولا تسلية، بل مقاومة ناعمة ضد التشتت والسطحية، وبناء صامت لوعي جماعي يبحث عن جذوره وعن لغته الخاصة.

السينما: حين يتحول الفيلم إلى مرآة اجتماعية

وفي النسخة الخامسة من المهرجان، كان للسينما حضور لافت، حيث شارك سينياس هاب بفيلمين يلامسان جوهر الواقع الجنوبي ويكشفان طبقة غير مرئية من التفاصيل الإنسانية.

فيلم Too Late: مراجعة الضمير الاجتماعي

لم يكن Too Late مجرد سرد بصري لحكاية أسرة. الفيلم كان مساءلة عميقة لقيم المجتمع الجنوبي في لحظات الضعف، وفي مفاصل العلاقات العائلية حين يختلط الحب بالمسؤولية، والقرابة بالحاجة، والواجب بالعجز. الفيلم يعرض بجرأة ودقة كيف يمكن للضغوط الاقتصادية والاجتماعية أن تخلق فجوة داخل الأسرة، وكيف يتحوّل الأقربون أحياناً إلى غرباء بفعل العرف الاجتماعي أو الخوف أو سوء الفهم. ولذلك، ليس الفيلم رواية مأساوية فحسب، بل مرآة تدعو المجتمع لمراجعة نفسه؛ لنسأل: كيف نرى واجباتنا تجاه بعضنا؟ ما الذي يجعل الروابط العائلية تتفكك؟ وأين نقف نحن في لحظة الحقيقة؟

الفيلم الوثائقي: أزمة المياه والفيضانات المسمّمة أما الفيلم الثاني، الذي تناول كارثة الفيضانات الممزوجة بالمخلّفات النفطية في ولاية الوحدة، فقد ذهب أبعد من الصورة المباشرة. الفيلم قدم قراءة مركبة لأزمتين متداخلتين:

·       أزمة مناخية متصاعدة

·       وتلوث بيئي صناعي ناتج عن سنوات من التسربات النفطية

وعندما تختلط مياه الفيضانات الراكدة بالمواد الكيميائية، تتحول إلى سمٍّ يزحف ببطء على حياة الناس، يقتل الزراعة، يدمّر الصحة، ويترك آثاراً جينية على الأطفال الذين يولدون لاحقاً. المخرجة ماورا أجاك، وهي صحفية شابة مهتمة بقضايا التغير المناخي، قدّمت وثيقة إنسانية قبل أن تكون فنية؛ وثيقة تقول: إن ما يحدث ليس كارثة طبيعية، بل نتيجة لما تفعله السياسات والاقتصاد بالإنسان البسيط. العروض السينمائية لم تكن مجرد تجمع جماهيري؛ كانت مختبراً للوعي، حيث تحوّل الجمهور إلى جزء من الحكاية، يناقش، يسأل، ويقترح حلولاً. هنا تحديداً يظهر دور الثقافة: أن تصنع لحظة تُرى فيها الحقيقة بوضوح. سينياس هاب في تونقفينج: بناء بيت ثقافي لا ينام في مقر المركز بتونقفينج، يواصل سينياس هاب إشعال شرارة الفن عبر ورش العمل، الأمسيات المفتوحة، عروض الموسيقى، نقاشات الأدب، وتجارب الشباب الأولى في الإخراج والكتابة. المكان ليس مجرد قاعة؛ إنه فضاء تولد فيه الأفكار. يدخله الناس غرباء ويخرجون منه وفي أيديهم ما يربطهم: فكرة، صداقة، مشروع، أو حتى سؤال جديد رؤية المركزالفن كجسر لاعادة تشكيل الوطن يرى المركز أن الفن ليس ترفاً ولا امتيازاً، بل ضرورة اجتماعية. على خشبات المهرجانات التي يشارك فيها، تختلط الرقصات الشعبية، والأغاني، والحكايات الشفاهية لتعيد رسم خريطة الوطن من جديد؛ خريطة لا تُبنى على السياسة ولا على الجغرافيا، بل على الذاكرة المشتركة والتنوع. شراكات تتجاوز الحدث يمتد عمل سينياس هاب إلى مدارس، مجتمعات محلية، منظمات دولية، وفرق فنية صغيرة تحاول أن تجد صوتها. يقدم المركز كل ذلك لا بهدف «النشاط»، بل بهدف صناعة أثر مستدام في الوعي والسلوك. رسالة تتجاوز الفنون يحمل المركز رسالة واضحة: الثقافة ليست فعالية. الثقافة رؤية للعالم. هي القدرة على فهم الذات، ومعالجة الجراح، وإعادة تخيل الوطن. ولذلك يسعى سينياس هاب لترسيخ قيم: الإبداع ,الحوار ,احترام الاختلاف, التنوّع ,والمشاركة المجتمعية قيم تجعل الوعي ممارسة يومية، وتحوّل الفن إلى أداة للتغيير الشامل. التعاون الثقافي: الجهود التي تلتقي لا تتصادم في مدينة مزدحمة بالمبادرات، يعمل المركز على بناء شبكة تعاون بين المؤسسات، المراكز المجتمعية، الفرق الفنية، والمبادرات الشبابية. التعاون هنا ليس شعاراً؛ بل فلسفة عمل ترى أن الثقافة تزدهر عندما تتكامل الجهود لا عندما تتنافس. وهكذا يصبح العمل المشترك جسراً يفتح الطريق لمشاريع أكثر عمقاً وتأثيراً.


 خاتمة: أثر يبقى

يمضي سينياس هاب في مشروعه بثقة هادئة، واضعاً أمامه هدفاً واحداًبناء حركة ثقافية مستدامة في جوبا. حركة تمنح الشباب حرية التعبير، وتفتح للفنون طريقاً نحو المجتمع، وتعيد للمدينة روحها التي كادت تضيع. لا يسعى المركز إلى الضوء المؤقت، بل إلى أثر طويل المدى أثر يتحول مع الزمن إلى جزء من ذاكرة المدينة ووجدانها، وإلى حجر صغير في بناء وطن أكثر إنسانية وإشراقاً.

 

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page