top of page

سينياس هاب يختتم مشروع (إدارة المشاريع الثقافية والحقوق الثقافية) لتعزيز دورالفعل الثقافي المؤسسي

مركز سينياس هاب الثقافي

جنوب السودان - جوبا


المقدمة

في خطوة تعكس التزامه المتواصل بتطوير القطاع الثقافي في جنوب السودان، اختتم مركز سينياس هاب الثقافي مشروع (إدارة المشاريع الثقافية والحقوق الثقافية)، الذي قاده الأستاذ ديفيد أوكو مدير مهرجان ديرك الثقافي والدكتور سيف الإسلام حاج أحمد دكتورجامعي في جامعة جوبا , كلية الدراما. وقد شكل المشروع منصة معرفية وتدريبية هدفت إلى تعزيز قدرات الفاعلين الثقافيين، وترسيخ مفاهيم الحقوق الثقافية، ودعم دور الثقافي في البلاد. ياتي هذا المشروع ,في ظل التحولات السياسية والاجتماعية و ثقافية التي تشهدها جمهورية جنوب السودان منذ استقلالها، تتزايد الحاجة إلى البحث عن أدوات فعالة تسهم في تعزيز السلم الاجتماعي، وترسيخ قيم المواطنة، وإدارة التنوع الثقافي الذي تتميز به البلاد. وفي هذا السياق، تبرز الثقافة باعتبارها أحد أهم الموارد الاستراتيجية القادرة على دعم عمليات بناء الثقافي والتنمية الثقافية، ليس فقط بوصفها مجالا للإبداع الفني والتعبير الجمالي، وإنما باعتبارها منظومة متكاملة من القيم والمعارف والممارسات والرموز واللغات والذاكرة الجماعية التي تمنح المجتمعات شعورها بالانتماء وتساهم في تشكيل هويتها الوطنية والإنسانية. لقد أثبتت التجارب الدولية أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى أكثر من إعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات السياسية؛ فهي تحتاج أيضا إلى إعادة بناء الثقة بين الأفراد والجماعات، وإحياء الروابط الاجتماعية، وحماية الذاكرة الجماعية، وخلق مساحات للحوار والتفاهم والتعايش. وهنا تلعب الثقافة دوراً محوريا باعتبارها جسرا للتواصل بين المجموعات المختلفة، وأداة لتعزيز الاحترام المتبادل والتنوع الثقافي، ووسيلة للتعبير الثقافي عن القضايا الاجتماعية والإنسانية. كما تسهم الأنشطة الثقافية والفنية في معالجة آثار النزاعات والصدمات المجتمعية، وتوفير منصات تتيح للمواطنين المشاركة في صياغة مستقبلهم المشترك.

وفي الوقت نفسه، شهدت العقود الأخيرة تطورا متزايدا في الاعتراف بالثقافة باعتبارها حقا أساسيا من حقوق الإنسان. فقد أكدت العديد من المواثيق والمعاهدات الدولية، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،مسودة السياسات الثقافية لجنوب السودان اضافة الي مسودات و اتفاقيات اخر تمت تناولها في المشروع تنص على حق الأفراد والجماعات في المشاركة في الحياة الثقافية، والتمتع بنتاجها، وحماية راثهم الثقافي، والتعبير عن هوياتهم الثقافية بحرية وكرامة. ومن هذا المنطلق، أصبحت الحقوق الثقافية جزءا لا يتجزا من منظومة حقوق الإنسان، وعنصرا أساسيا لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة. ورغم الأهمية المتزايدة للثقافة والحقوق الثقافية، لا يزال القطاع الثقافي في العديد من الدول النامية والدول الخارجة من النزاعات يواجه تحديات كبيرة تتمثل في ضعف البنية المؤسسية، ومحدودية التمويل والاستثمار الثقافي، وغياب السياسات الثقافية الفاعلة، ونقص الكفاءات المتخصصة في إدارة المشاريع الثقافية، فضلا عن محدودية الوعي بأهمية الحقوق الثقافية ودورها في التنمية. وتنعكس هذه التحديات بصورة واضحة على قدرة الفاعلين الثقافيين ومنظمات المجتمع المدني على تطوير مبادرات ثقافية مستدامة وقادرة على إحداث أثر مجتمعي ملموس.

ومن هنا تبرز أهمية إدارة المشاريع الثقافية باعتبارها أداة عملية لتحويل الأفكار والمبادرات الثقافية إلى برامج وأنشطة منظمة وقابلة للتنفيذ والتقييم. فالإدارة الفعالة للمشاريع الثقافية لا تقتصر على الجوانب الإدارية والمالية فحسب، بل تشمل أيضا القدرة على تحليل السياق الاجتماعي، وتحديد الاحتياجات الثقافية، وتصميم مشاريع تستجيب لأولويات المجتمع، وبناء الشراكات، وإدارة الموارد، وضمان استدامة الأثر الثقافي والاجتماعي للمشروعات المنفذة. كما تسهم في تمكين الفاعلين الثقافيين من توظيف الثقافة كوسيلة لتعزيز المشاركة المجتمعية، وحماية التراث الثقافي المادي وغير المادي، وتشجيع الإبداع والابتكار، ودعم جهود التنمية. وفي هذا الإطار، شهدت مدينة جوبا تنظيم مشروع في مركز سينياس هاب متخصصة بعنوان (إدارة المشاريع الثقافية والحقوق الثقافية)، والتي مثلت مساحة معرفية وحوارية مهمة جمعت عددا من الفاعلين الثقافيين والمهتمين بالشأن الثقافي وحقوق الإنسان. وقد هدف المشروع إلى تعزيز الفهم النظري والعملي للعلاقة بين الثقافة وحقوق الإنسان، والتعريف بالمفاهيم الأساسية للحقوق الثقافية، وبناء قدرات المشاركين في مجال تخطيط وتصميم وإدارة المشاريع الثقافية، بما يمكنهم من تطوير مبادرات أكثر تأثيرا واستدامة واستجابة لاحتياجات مجتمعاتهم المحلية. وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في السياق الجنوب سوداني، حيث تتعاظم الحاجة إلى الاستثمار في الثقافة باعتبارها ركيزة من ركائز بناء الدولة وتعزيز الوحدة الوطنية واحترام التنوع. كما تسهم في تمكين جيل جديد من الفاعلين الثقافيين القادرين على توظيف الثقافة والفنون والتراث كوسائل للحوار والتماسك الاجتماعي والتنمية، وبناء مجتمع أكثر انفتاحا وعدالة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.


الثقافة ليست ترفا... بل حق إنساني أساسي

أحد أهم النقاشات التي تناولها المشروع تمثل في إعادة النظر إلى الثقافة بوصفها حقا من حقوق الإنسان، وليس مجرد نشاط ثانوي يمكن الاستغناء عنه. فقد ناقش المشاركون مجموعة من المرجعيات القانونية والحقوقية التي تؤكد هذا الحق، بدءاً من دستور جمهورية جنوب السودان الانتقالي الذي يعترف بالتنوع الثقافي ويؤكد أهمية حماية التراث الوطني، وصولا إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تكفل الحقوق الثقافية للأفراد والمجتمعات. وقد تناول المشروع  بصورة خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يؤكد حق كل فرد في المشاركة في الحياة الثقافية والاستفادة من التقدم العلمي والإبداع الفني. كما ناقشت المبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة (27) التي تنص على حق كل شخص في المشاركة الحرة في الحياة الثقافية للمجتمع والتمتع بالفنون والإسهام في التقدم الثقافي. كما تم التطرق إلى عدد من الأدوات والمعايير الدولية ذات الصلة بالحقوق الثقافية، بما في ذلك الاتفاقيات المتعلقة بحماية التراث الثقافي المادي وغير المادي، والدور الذي تضطلع به المؤسسات الدولية في تعزيز التنوع الثقافي وحماية التراث الإنساني.


المناصرة الثقافية و التأثير في السياسات الثقافية

لم يقتصر المشروع على الجوانب الإدارية للمشاريع الثقافية، بل خصصت مساحة مهمة لموضوع المناصرة الثقافية باعتبارها أحد المكونات الأساسية للعمل الثقافي المعاصر. وقد ناقش المشاركون مفهوم المناصرة الثقافية باعتبارها عملية تهدف إلى تعزيز الاعتراف بالحقوق الثقافية، والدفاع عن حرية التعبير الفني، وحماية الفضاءات الثقافية، وتشجيع صناع القرار على إدماج الثقافة ضمن أولويات السياسات العامة وخطط التنمية الوطنية. كما تناولت النقاشات أهمية قراءة وتحليل السياسات الثقافية الوطنية، وفهم العلاقة بين الثقافة والقوانين والمؤسسات الحكومية، وكيف يمكن للفاعلين الثقافيين المساهمة في تطوير بيئة أكثر دعما للإبداع والفنون والتراث. وقد أظهرت هذه النقاشات أن حماية الثقافة لا تتحقق فقط من خلال تنظيم الفعاليات الفنية، وإنما أيضا عبر العمل على بناء سياسات ثقافية أكثر شمولا وعدالة واستدامة.

الثقافة كأداة للتنمية

في المجتمعات التي عانت من النزاعات والانقسامات، تصبح الثقافة أكثر من مجرد وسيلة للتعبير؛ فهي أداة لإعادة بناء الثقة وتعزيز الحوار بين المجتمعات المختلفة. وقد ناقشت الورشة كيف يمكن للمشاريع الثقافية أن تساهم في معالجة قضايا مجتمعية متعددة من خلال:

·       تعزيز التماسك الاجتماعي.

·       دعم التعددية الثقافية.

·       تشجيع الحوار بين المجموعات المختلفة.

·       حماية الذاكرة الجماعية.

·       تعزيز الشعور بالانتماء والمواطنة.

·       دعم جهود السلام والمصالحة المجتمعية.

كما تم التأكيد على أن الاستثمار في الثقافة يمثل استثمارا مباشرا في رأس المال الاجتماعي  وراس المال البشري للمجتمع، ويسهم في خلق بيئات أكثر استقرارا وانفتاحا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.


من الفكرة الثقافية إلى المشروع المستدام

أحد المحاور الرئيسية للمشروع تمثل في بناء قدرات المشاركين على تحويل الأفكار الثقافية إلى مشاريع عملية قابلة للتنفيذ. وقد تناول التدريب مراحل إدارة المشاريع الثقافية بدءاً من تحديد المشكلة وصياغة الرؤية والأهداف، مروراً بإعداد خطط العمل وإدارة الميزانيات وتطوير الشراكات، وانتهاءً بعمليات المتابعة والتقييم وقياس الأثر. كما تم التركيز على أهمية الاستدامة المؤسسية والمالية للمشاريع الثقافية، وضرورة التفكير في الثقافة كقطاع إنتاجي وتنموي قادر على خلق فرص عمل وتعزيز الاقتصاد الإبداعي.


الفضاء العام بوصفه مساحة للثقافة والمواطنة

من بين القضايا الجوهرية التي تناولها المشروع  قضية الفضاء العام الثقافي وعلاقته الوثيقة بالحقوق الثقافية والمشاركة المدنية. فالفضاء العام لا يقتصر على كونه مكانا ماديا يضم الشوارع والساحات والحدائق والمراكز المجتمعية، بل يمثل مجالا اجتماعيا وثقافيا تتشكل داخله العلاقات بين المواطنين، وتتجسد من خلاله قيم الحوار والتنوع والتفاعل المشترك. وفي هذا المعنى، يصبح الفضاء العام أحد الشروط الأساسية لممارسة الحقوق الثقافية، لأنه يوفر البيئة التي تسمح للأفراد والجماعات بالتعبير عن هوياتهم الثقافية، وعرض إنتاجهم الإبداعي، والمشاركة في الحياة الثقافية بصورة حرة ومتساوية. وقد ناقش المشاركون العلاقة بين إتاحة الفضاءات العامة وبين تعزيز المواطنة الفاعلة، إذ إن قدرة الأفراد على الوصول إلى الأنشطة الثقافية والفنية والمشاركة فيها تمثل مؤشرا مهما على مدى شمولية الحياة العامة واحترام التنوع داخل المجتمع. فحين تتوفر المساحات التي تستضيف العروض الفنية والمعارض والندوات والمبادرات الثقافية المجتمعية، تصبح الثقافة جزءا من الحياة اليومية للمواطنين، وليس نشاطا نخبويا محصورا في فئات محددة أو مؤسسات مغلقة.

كما سلطت النقاشات الضوء على أن حماية الفضاء العام الثقافي تمثل جزءا من حماية الحقوق الثقافية نفسها. فالمبدعون والفنانون والفاعلون الثقافيون يحتاجون إلى بيئة آمنة ومفتوحة تتيح لهم التعبير عن أفكارهم وتجاربهم ورؤاهم للمجتمع دون إقصاء أو تهميش. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المجتمعات الخارجة من النزاعات، حيث يمكن للفضاءات الثقافية العامة أن تسهم في إعادة بناء الثقة بين المجموعات المختلفة، وخلق فرص للحوار حول القضايا المشتركة، وتعزيز ثقافة السلام والتعايش. وفي السياق الجنوب سوداني، تبرز أهمية الفضاء العام  الثقافي بوصفه منصة لتعزيز الوحدة الوطنية في ظل التعدد الثقافي واللغوي والإثني الذي تتميز به البلاد. فكلما توسعت فرص الوصول إلى الفضاءات الثقافية، ازدادت قدرة المواطنين على التعرف إلى ثقافات بعضهم البعض، وتجاوز الصور النمطية، وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم المشترك. ومن هنا فإن تطوير البنية التحتية الثقافية، ودعم المراكز الثقافية والمكتبات والمسارح والمنتديات المجتمعية، يمثل استثمارا مباشرا في بناء مجتمع أكثر انفتاحا ومشاركة وتماسكا.


أثر يتجاوز حدود التدريب

لم يكن مشروع (إدارة المشاريع الثقافية والحقوق الثقافية)مجرد برنامج تدريب و مقابلات مع اصحاب المصلحة يهدف إلى نقل مجموعة من المعارف والمهارات التقنية للمشاركين، بل شكلت مساحة للتفكير الجماعي حول واقع القطاع الثقافي ومستقبله في جنوب السودان. فقد أتاح المشروع فرصة لتبادل التجارب والخبرات بين فاعلين ثقافيين ينتمون إلى خلفيات متنوعة، مما ساعد على خلق فهم مشترك للتحديات التي تواجه العمل الثقافي، والفرص المتاحة لتطويره وتعزيز تأثيره في المجتمع. كما ساهم المشروع في توسيع النقاش حول العلاقة بين الثقافة والتنمية وحقوق الإنسان، وأكدت أن العمل الثقافي لا يمكن أن يظل معزولاً عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تؤثر في حياة المواطنين. ومن خلال الجلسات الحوارية والأنشطة التطبيقية، تمكن المشاركون من استكشاف سبل توظيف الثقافة كأداة لتعزيز المشاركة المجتمعية، ودعم جهود السلام، وتمكين الشباب والنساء، وحماية التراث الثقافي، وتعزيز قيم المواطنة والتنوع.

ومن أبرز النتائج التي أفرزها المشروع تعزيز الوعي بأهمية بناء شبكات مهنية وتعاونية بين الفاعلين الثقافيين والمؤسسات المختلفة. فالعمل الثقافي المعاصر لم يعد قائما على الجهود الفردية فقط، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الشراكات والتنسيق وتبادل الموارد والخبرات. وقد شكل المشروع  فرصة لبناء علاقات مهنية يمكن أن تتطور مستقبلا إلى مبادرات ومشاريع مشتركة تسهم في توسيع نطاق العمل الثقافي وتعزيز حضوره في المجال الثقافي . وعلى مستوى أوسع، ساعد المشروع في ترسيخ فكرة أن الثقافة مسؤولية مجتمعية مشتركة وليست مسؤولية الفنانين أو المؤسسات الثقافية وحدهم. فنجاح أي مشروع ثقافي يتطلب وجود بيئة داعمة تشارك فيها المؤسسات الحكومية من خلال تطوير السياسات الثقافية وتوفير الدعم المؤسسي، ومنظمات المجتمع المدني من خلال تعزيز المشاركة المجتمعية، والقطاع الخاص من خلال الاستثمار والرعاية، والشركاء الدوليين من خلال الدعم الفني والمالي وتبادل الخبرات. ولذلك فإن الأثر الحقيقي للمشروع لا يقاس بعدد المشاركين أو أيام التدريب، وإنما بقدرتها على المساهمة في بناء رؤية جديدة للثقافة باعتبارها قطاعا استراتيجيا قادرا على الإسهام في التنمية الوطنية وبناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المشروع باعتباره خطوة ضمن مسار أوسع يهدف إلى تمكين الفاعلين الثقافيين من لعب دور أكثر تأثيرا في صياغة السياسات العامة، والدفاع عن الحقوق الثقافية، وإطلاق مبادرات مجتمعية تسهم في تحويل الثقافة من مجال هامشي إلى قوة فاعلة في عملية التغيير الاجتماعي والتنمية المستدامة في جنوب السودان.


نحو قطاع ثقافي أكثر قوة وتأثيراً

إن بناء قطاع ثقافي مستدام وفاعل لا يتحقق من خلال تنظيم الفعاليات والأنشطة الثقافية بصورة موسمية أو متفرقة فحسب، بل يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى تنظر إلى الثقافة باعتبارها أحد القطاعات الحيوية المساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وبناء السلام. فالمشروعات الثقافية الناجحة لا تقوم فقط على الإبداع الفني، وإنما تعتمد كذلك على وجود كوادر مؤهلة تمتلك مهارات التخطيط والإدارة والتواصل وحشد الموارد، وعلى مؤسسات ثقافية قادرة على الاستمرار والتأثير، وسياسات عامة تعترف بالدور المحوري للثقافة في المجتمع وتوفر البيئة المناسبة لنموها وتطورها. كما أن تعزيز القطاع الثقافي يتطلب تطوير أطر قانونية وتشريعية تحمي الحقوق الثقافية للأفراد والجماعات، وتكفل حقهم في المشاركة في الحياة الثقافية، والوصول إلى الموارد الثقافية، وحماية التراث الثقافي المادي وغير المادي، وصون التنوع الثقافي باعتباره ثروة وطنية وإنسانية. فالثقافة لا تزدهر في البيئات التي تعاني من التهميش أو الإقصاء، بل تحتاج إلى فضاءات مفتوحة للحوار والتعبير الحر والتبادل المعرفي بين مختلف المكونات الاجتماعية.

وتكتسب برامج بناء القدرات والتدريب أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تسهم في تأهيل جيل جديد من الفاعلين الثقافيين القادرين على تصميم وتنفيذ مشاريع ثقافية ذات أثر مستدام. فهذه البرامج لا تقتصر على نقل المعرفة التقنية المتعلقة بإدارة المشاريع، بل تساعد أيضاً على تطوير الرؤى النقدية وفهم العلاقة بين الثقافة وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة. كما تعزز قدرة العاملين في المجال الثقافي على بناء الشراكات مع المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص والجهات المانحة، بما يضمن استدامة المبادرات الثقافية وتوسيع نطاق تأثيرها. إلى جانب ذلك، تمثل المناصرة الثقافية أداة أساسية للدفاع عن مكانة الثقافة في السياسات العامة وخطط التنمية الوطنية. فمن خلال جهود المناصرة يمكن رفع الوعي بأهمية الحقوق الثقافية، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في صنع القرار الثقافي، والمطالبة بزيادة الاستثمار في البنية التحتية الثقافية والتعليم الفني وحماية التراث. كما تساهم المناصرة الثقافية في إبراز الثقافة باعتبارها وسيلة فعالة لتعزيز التماسك الاجتماعي والتعايش السلمي، خاصة في المجتمعات التي عانت من النزاعات والانقسامات. وفي حالة جنوب السودان، حيث يشكل التنوع الثقافي أحد أبرز ملامح المجتمع، فإن الاستثمار في الثقافة يمثل فرصة حقيقية لتعزيز الوحدة الوطنية القائمة على احترام الاختلاف والتعدد. فالموروثات الثقافية المتنوعة، واللغات المحلية، والفنون الشعبية، والأدب الشفهي، والممارسات الاجتماعية التقليدية، جميعها تشكل رصيدا وطنيا يمكن توظيفه في دعم جهود السلام والمصالحة والتنمية المجتمعية. ومن هنا يصبح تطوير قطاع ثقافي قوي ومستدام جزءا أساسيا من مشروع بناء الدولة وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة.

الخاتمة

تكشف تجربة مشروع (إدارة المشاريع الثقافية والحقوق الثقافية)عن حقيقة جوهرية مفادها أن الثقافة ليست قطاعا هامشيا أو نشاطا ترفيهيا منفصلا عن قضايا المجتمع، بل هي أحد المحركات الأساسية للتنمية الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. فالثقافة تحفظ الذاكرة الجماعية، وتعزز الشعور بالانتماء والهوية، وتوفر فضاءات للحوار والتفاهم بين مختلف المكونات الاجتماعية، كما تسهم في ترسيخ قيم السلام والتسامح والمواطنة، وتفتح آفاقا واسعة للإبداع والابتكار والمشاركة المجتمعية. لقد أظهر المشروع أن الاستثمار في الثقافة لا يقتصر على دعم الفنون والأنشطة الثقافية فحسب، بل يشمل أيضا بناء القدرات المؤسسية والبشرية، وتعزيز الحقوق الثقافية، وتمكين الفاعلين الثقافيين من لعب دور أكثر تأثيرا في مجتمعاتهم. كما أكدت أن الإدارة الفعالة للمشاريع الثقافية تمثل أداة مهمة لتحويل الأفكار والمبادرات الثقافية إلى مشاريع عملية قادرة على تحقيق أثر ملموس ومستدام. وفي بلد غني بتنوعه الثقافي والإثني مثل جنوب السودان، تصبح الثقافة جسرا للتواصل بين المجتمعات المختلفة، وأداة لبناء الثقة وتعزيز التماسك الاجتماعي، ومصدرا مهما للتنمية المستدامة. ولذلك فإن دعم المشاريع الثقافية، وتطوير السياسات الثقافية، وتعزيز المناصرة الثقافية، وترسيخ الحقوق الثقافية باعتبارها جزءا لا يتجزا من منظومة حقوق الإنسان، يمثل استثمارا استراتيجيا في مستقبل البلاد. إن بناء مجتمع أكثر عدالة وسلاما وتماسكا يتطلب الاعتراف بأن الثقافة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل هي قوة قادرة على تغييره. ومن خلال تمكين الفاعلين الثقافيين، وحماية التنوع الثقافي، وتوسيع فرص المشاركة في الحياة الثقافية، يمكن تحويل الثقافة إلى رافعة حقيقية للتنمية الوطنية، وإلى مصدر للإلهام والإبداع والأمل للأجيال الحالية والقادمة.




 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page